الشيخ الطبرسي

464

تفسير مجمع البيان

وقيل : معناه هذه الدعوة التي أدعو إليها ، ديني وطريقي ، عن مقاتل ، والجبائي . ثم فسر ذلك بقوله ( أدعو إلى الله على بصيرة ) أي : أدعو إلى توحيد الله ، وعدله ، ودينه ، على يقين ، ومعرفة ، وحجة قاطعة ، لا على وجه التقليد ( أنا ومن اتبعني ) أي : أدعوكم أنا ، ويدعوكم أيضا إليه من آمن بي ويذكر بالقرآن والموعظة ، وينهى عن معاصي الله . قال ابن الأنباري : ويجوز أن يتم الكلام عند قوله ( أدعو إلى الله ) ثم ابتدأ وقال : ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ) وهذا معنى قول ابن عباس إنه يعني أصحاب محمد ، كانوا على أحسن طريقة ( وسبحان الله ) معناه : تنزيها لله عما أشركوا ، وتقديره قل هذه سبيلي ، وقل سبحان الله . وقيل : إنه اعتراض بين الكلامين ، والواو فيه مثل قولك قال الله ، وهو منزه عن الشركاء ، سبحان الله ( وما أنا من المشركين ) الذين اتخذوا مع الله ندا وكفوا وولدا . وفي هذه الآية دلالة على فضل الدعاء إلى الله سبحانه ، وإلى توحيده وعدله ، ويعضد ذلك الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : العلماء أمناء الرسل على عباده . وفيها دلالة أيضا على أنه عليه السلام كان يدعو إلى الله في كل أوقاته ، وإن كان يبين الشرائع في أوقات ما . وفيها دلالة أيضا على أن الواجب في السعي أن يكون على ثقة وبصيرة ودلالة قاطعة ، وذلك يوجب فساد التقليد ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) بين سبحانه أنه إنما أرسل الرسل من أهل الأمصار ، لأنهم أرجح عقلا وعلما من أهل البوادي ، لبعد أهل البوادي عن العلم وأهله ، عن قتادة . وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا قط من أهل البادية ، ولا من الجن ، ولا من النساء ، وذلك أن أهل البادية يغلب عليهم القسوة والجفاء ، وأهل الأمصار أحد فطنا ( أفلم يسيروا في الأرض ) أي : أفلم يسر هؤلاء المشركون المنكرون لنبوتك يا محمد في الأرض ( فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) من الأمم المكذبين لرسلهم ، وكيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال فيعتبروا بهم ، ويحذروا مثل ما أصابهم ( ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ) يقول : هذا صنيعنا بأهل الإيمان والطاعة في دار الدنيا ، إذ أهلكنا عدوهم ، ونجيناهم من شرفهم ، ولدار الآخرة خير لهم من دار الدنيا ونعيمها . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : لشبر من الجنة خير من الدنيا وما فيها . قال الزجاج : قال الله سبحانه في غير هذا الموضع : ( والدار